حدود الشرق الأوسط تُرسم مجدداً بالدم

حدود الشرق الأوسط تُرسم مجدداً بالدم
| بواسطة : اية الخطيب | بتاريخ 3 أبريل, 2015
أخر تحديث : الجمعة 3 أبريل 2015 - 11:52 صباحًا
المصدر - وكالات

في ظل استبعاد غزو بري أميركي حتى الآن، فإن الجدل في واشنطن حول ما ينبغي عمله حيال داعش، تحول باتجاه الدبلوماسية و«القوة الناعمة».

فقد أعلن الرئيس أوباما مؤخراً من خلال مقالة اقترح فيها عقد مؤتمر قمة حول «العنف والتطرّف»، أن الصراع في النهاية هو معركة لكسب القلوب والعقول»، وفي السياق ذاته، أشار كل من جيمس فالوس وكينيث براور في دورية أتلانتيك الشهرية أنه يجب استبعاد الحل العسكري والبحث عن حل سياسي، وهو الحل الذي يقتضي – وفق براور – أن تقبل الولايات المتحدة بنهاية لحدود اتفاقية سايكس – بيكو، وبالتالي الموافقة على تقسيم العراق إلى ثلاث دول، كردية وسنية وشيعية، بحيث تضم الدولة السنية الجديدة أجزاء من سوريا تخضع حالياً لسيطرة داعش.
ويذكّرنا استمرار «داعش» بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ومنها سوريا والعراق، كما حددها مارك سايكس وجورج بيكو قبل 99 عاماً، بأن هذين الرجلين لم يكملا المهمة التي اضطلعا بها فقد أصبحت الاتفاقية رمزاً للتقسيم الظالم وسيئ المقاصد للإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، والذي أفضى الى اندلاع ازمات لا نهاية لها في العصر الحديث. فتصحيح هذا الأرث الغادر كما يصفه براور وفالوس وسنة العراق وسوريا الذين ينضمون لـ«داعش» (أو يتعاطفون معه سراً)، سيمنح السنة دولة خاصة بهم تكون -كما هو مفترض- غير ذات صبغة دينية.

وربما كان وضع حد لاتفاقية سايكس – بيكو فكرة مغرية.ولكنها حمقاء، في الوقت ذاته، لا خيانة لإرث تاريخي مزور، فلا شيء عن الحدود الراهنة المختلف عليها وذات الصلة بالعراق وسوريا، رسم في عام 1916، ولا الحدود الأخرى المثيرة للنزاع كتلك التي تفصل العراق عن الكويت أو إسرائيل / فلسطين وشرق الأردن. ولأخذ مثال شهير من صدر الصفحات الأولى للصحف الحالية، فإن مدينة الموصل في شمال العراق والتي سيطر عليها داعش وأعلن أبوبكر البغدادي ولادة الخلافة الإسلامية فيها عام 2014، لم تكن ضمن حدود العراق، بل ضمن الحدود السورية وفقاً لاتفاقية 1916، لكن بريطانيا التي كانت تحكم العراق ضمتها إلى سيطرتها عام 1918.

تعهدات فارغة
لقد سببت أسطورة حدود سايكس – بيكو عنفاً هائلاً للتفاهم التاريخي الذي كان سائداً، وحتى على الورق، تم تعديل الاتفاقية بشكل متكرر، أولاً لتلبية مطالب إيطالية ويونانية عام 1917، وثانياً، لوقف محاولات التخريب الروسية بعد ان وقع البلاشفة اتفاق سلام منفصلا في مارس 1918، ثم لضم مناطق روسية قديمة إلى الولايات المتحدة في عام 1919، لكن «التعهدات» الأميركية ذهبت أدراج الرياح لان مجلس الشيوخ الاميركي رفض المصادقة على اتفاقيات ما بعد الحرب في عام 1920 اما الاراضي التي تضم الآن، سوريا والعراق فنشب حولها صراع مرير ومعقد لم يقتصر على الدبلوماسية بل شمل النزاع المسلح بين بريطانيا وفرنسا والعرب والارمن والاتراك.
وقد تمت تسوية الحدود بالقوة المسلحة وتقلصت مساحة سوريا اكثر فأكثر، حين ضمت اليها تركيا اقليم الاسكندرون عام 1939.

صراع دراماتيكي
وتغيرت الحدود شمالا، حيث اقتطعت اراض من روسيا وضمت الى اليونان والولايات المتحدة والى ارمينيا المستقلة لاحقا ووعدت فرنسا باراض اخرى متنازع عليها، قبل ان اعادت القوى القومية التركية بزعامة مصطفى كمال اتاتورك، السيطرة على كل شيء وفرضت حدود تركيا الحالية بالدم، ودون ادنى اعتبار لاتفاقية سايكس – بيكو.
وفي هذه الاثناء شهدت فلسطين صراعات اكثر دراماتيكية خلال سنوات ما بعد عام 1916 وسوّي الصراع بين البريطانيين والصهاينة والهاشميين والسكان المحليين، في نهاية المطاف بقوة السلاح، وان لم تحسم بعد حتى يومنا هذا.

خطأ تاريخي
وتنطوي الفكرة على أن اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الآن لتتواءم مع التجمعات الدينية والاثنية ستصحح الخطأ التاريخي على قدر من التضليل لا يقل عن التضليل الذي تحمله خُرافة ان حدود اليوم هي التي رسمها هذان الدبلوماسيان عام 1916، وفي الواقع هذه الفكرة كانت جزءا من المفاوضات حول تقسيم الامبراطورية العثمانية.
ففي النقطة 12 من الاتفاقية المكونة من 14 بنداً ادخل الرئيس الاميركي ويدرو ويلسون نصا مفاده ان «الجنسيات الاخرى التي تخضع الآن للحكم العثماني يجب طمأنتها وضمان حياة آمنة لها»، اي منحها حق تقرير المصير، وقد اسس ويلسون لهذه الغاية لجنة لتقصي الحقائق عام 1919 للتعرف على آراء سكان هذه المناطق.

حق تقرير المصير
وكان تحديث اتفاقية تقسيم الامبراطورية العثمانية التي وُقعّت في احدى ضواحي باريس عام 1920 هو في الواقع تحديث لاتفاقية سايكس – بيكو لأخذ مبدأ ويلسون «حق تقرير المصير»، بعين الاعتبار، مع ضم أقليات كثيرة للامبراطورية العثمانية كاليونانيين والأكراد والأرمن.
ومثلما حدث لسايكس – بيكو، فقد تم الانقلاب على اتفاقية تقسيم الامبراطورية العثمانية في ميدان المعارك بعد التوقيع عليها مباشرة.
ويمكن لأحدهم ان يجادل بأن حدود حق تقرير المصير كان يمكن ان تصمد لو لم تتخل الولايات المتحدة عن الانتدابات التركية عام 1920 وتنسحب من المنطقة وتنفض يدها من مشكلاتها.
ولكن لسوء الحظ، فان منطقة الشرق الأوسط لم يحدث ان أخذت القوة الناعمة بعين الاعتبار أبدا، وقد ماتت الامبراطورية العثمانية عام 1924 ليس بسبب سايكس – بيكو أو مبدأ حق تقرير المصير لويلسون، بل لأن الحرب العالمية الأولى وما تبعها من حرب تركية – يونانية دمرت سلطة السلطان العثماني وهيبته، وسوف تعتمد نهاية خلافة أبو بكر البغدادي – بالمثل – ليس على براعة افكار الغرب، بل على نجاح أو فشل جيوشه.
وسوف ترسم حدود الشرق الأوسط المستقبلية بالقوة كما حدث دائما في الماضي.

بقلم: شين ماكميكين
بروفيسور التاريخ في كلية بارد ومؤلف كتاب نهاية الإمبراطورية العثمانية: الحرب والثورة وولادة الشرق الأوسط الحديث في 1908 – 1923، والذي سيصدر في شهر نوفمبر المقبل.
لوس انجلوس تايمز.