هل يوجد أمل في إصلاح النظام الإنساني؟

هل يوجد أمل في إصلاح النظام الإنساني؟
| بواسطة : المكتب التنفيذي | بتاريخ 8 أغسطس, 2015
أخر تحديث : السبت 8 أغسطس 2015 - 1:48 صباحًا
المصدر - إيرين
بالعربي | على الطرف الشمالي من سريلانكا، وسط الحجر الجيري وبساتين نخيل جافنا، تقع قبور المبشرين الذين أتوا من نيو إنغلاند – خريجو جامعتي برينستون وهارفارد الذين جاءوا إلى المدينة في القرن التاسع عشر لبناء المدارس والعيادات الصحية وعاشوا حياتهم كلها مع المجتمع المحلي في جافنا. ومات أطفالهم هناك – من الأمراض التي كان يمكن أن تُعالج في الوطن، الولايات المتحدة، بل إن بعض زوجاتهم لم يصلن أبداً ووافتهن المنية أثناء الرحلة الغادرة على متن قارب.

ويذكرهم راغا ألفونسوس كنشطاء حقيقيين في المجال الإنساني خدموا مجتمعه بطريقة لا يستطيع اتباعها اليوم إلا قلة من الأجانب.

التقيت راغا في العاصمة الطاجيكية دوشنبه خلال آخر حلقة في سلسلة من المشاورات التي جرت في جميع أنحاء العالم لإيجاد طرق جديدة لتحسين الاستجابة للأزمات.

والجدير بالذكر أن المشاورات هي جزء من الاستعدادات التي تسبق انعقاد القمة العالمية للعمل الإنساني، وهي مبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة وستُعقد في اسطنبول في مايو 2016. وستجمع هذه القمة بين ممثلي المجتمعات المحلية، مثل راغا، ومسؤولي الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات غير الحكومية، وأعضاء من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية لاستكشاف كيفية إعادة تشكيل قطاع المساعدات الإنسانية.

الأرقام مثيرة للإعجاب. قبل هذه المشاورة الإقليمية الثامنة والأخيرة، كانت أمانة القمة العالمية للعمل الإنساني قد تشاورت مع 23,000 شخص في 151 دولة في قطاعات متعددة في محاولة للتوصل إلى توصيات لإصلاح نظام الاستجابة لحالات الطوارئ الذي يعتبره الكثيرون معطوباً.

سألت راغا عن شعوره حيال ما يمكن أن تفعله هذه العملية لمجتمعه. قال لي أن المنظمين بذلوا جهداً جيداً لإعطاء السكان المحليين صوتاً في تشكيل الاتجاه المستقبلي لتقديم المساعدات في مجتمعاتهم. ولكنه تساءل في نهاية المطاف: إلى أين سيذهب كل هذا طالما أن لا صلة حقيقية للنظام الدولي بالناس الذين يسعى لمساعدتهم؟

ينتمي عمال الإغاثة اليوم إلى سلالة مختلفة عن أولئك الذين جاؤوا قبلهم بعدة أجيال. لقد أصبح العمل الإنساني مهنة، وليس مجرد عاطفة. وآلية الإجراءات الأمنية، وجداول التناوب، وجداول المرتبات تصرف الانتباه عن فهم – ومعايشة – واقع المجتمعات المحلية. كما أن هيكل المساعدات الإنسانية اليوم – الآليات المتعددة الأطراف التي تقودها الأمم المتحدة من نيويورك وجنيف – بعيدة كل البعد عن نهج المبشرين المخصص وغير المنسق الذي كان متبعاً في الماضي.

وتتنقل الـ23 مليار دولار التي يتم إنفاقها سنوياً على المساعدات الطارئة في طريق ملتو من التعاقد من الباطن (الجهة المانحة – وكالة الأمم المتحدة – منظمة دولية غير حكومية – المنظمات غير الحكومية الوطنية – المنظمة المجتمعية) تأخذ فيه كل جهة فاعلة في سلسلة التوريد جزءاً من التكاليف العامة وتؤثر على اتجاه المساعدات – تاركة للسكان المحليين الذين يتضررون بالفعل فرصة ضئيلة للمشاركة بالرأي وكمية أقل من المال. وفي كثير من الأحيان، تكون جهود الإغاثة غير ملائمة لاحتياجات أو ثقافة المجتمعات التي تستهدفها، وأحياناً تهمشهم تماماً.

وربما كنتيجة لمدى تأرجح البندول، كانت إحدى المواضيع الرئيسية التي خرجت من مشاورات القمة العالمية للعمل الإنساني هي الدفع باتجاه “تركيز الاستجابة على المستوى المحلي” – وبعبارة أخرى، استجابة ترتكز أكثر على المجتمعات المحلية وتخضع لقيادتها.

وسيضمن هذا التحول أن الجهات الخارجية، مثل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الكبرى – التي تصفها رئيسة أمانة القمة العالمية للعمل الإنساني جميلة محمود بأنها “متعجرفة” – تدعم وتمكن المجتمعات المحلية من مساعدة أنفسها، بدلاً من قيادة الاستجابة. وستشهد حصول المجتمعات المحلية على المزيد من النفوذ في تشكيل مستقبلها. ومن شأنها أن تضمن احترام القدرات والتقاليد والنهج المحلية في تقديم المساعدات.

الصورة: بن باركر/إيرين
التمويل المباشر للمنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية الوطنية مبين في المربعات الصفراء المصادر: بيانات تحمل رموز مبادرة التنمية من خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتن

تبشر القمة بتقديم أفكار جديدة جريئة لإصلاح نظام المساعدات الطارئة. ولكن “تركيز الاستجابة على المستوى المحلي” ليس جذرياً بل إنه ببساطة عودة إلى الأساسيات. وكانت جلسات المشاورات الفرعية التي شهدتها في الحقيقة عملية للغاية – بل إن المشاركين صاغوا التوصيات بطريقة من الأرجح أن تلقى قبولاً أكبر من قبل الحكومات.

مع ذلك، كانت هناك بعض الاقتراحات العملية، على سبيل المثال، أن تستثمر المنظمات الإنسانية في فهم القدرات المحلية التي كانت موجودة قبل الأزمة، أو أن يُخصص 20 بالمائة من إجمالي تمويل العمل الإنساني مباشرة للمنظمات غير الحكومية المحلية.

هذه الأنواع من الخطوات يمكن أن تحسن تقديم المساعدات الإنسانية بشكل كبير في حالة تنفيذها.

“كانت القمة العالمية للعمل الإنساني تطمح دائماً إلى أن تكون تحويلية – لا أعرف إن كانت تريد أن تكون ثورية – ولكن تحويلية بالتأكيد لحياة الناس الذين يتأثرون بالأزمات. وهذا لا يعني أن عليك أن تفعل أشياء ثورية. أحياناً تضطر إلى العودة إلى الأساسيات وتفعل الأشياء التي من المفترض أن تفعلها على أي حال، والتي ستغير حياتهم،” كما أفادت محمود.

هذا رأي معقول ومقبول. ولكن هل تؤمن الجهات الهامة حقاً بهذه الفلسفة الجديدة؟ ففي نهاية المطاف، تركيز الاستجابة على المستوى المحلي يهدد وجود البنية التحتية للمساعدات بأكملها، والتي أصبحت راسخة على مدار عقود.

من جانبهم، يعد قادة الأمم المتحدة بأنهم قادرون على إحداث هذا النوع من التحول.

قالت لي ارثارين كازين، رئيسة أكبر منظمة إنسانية في العالم، وهي برنامج الأغذية العالمي، في مقابلة صحفية: “نحن نعمل في برنامج الأغذية العالمي بأقصى ما في وسعنا لتغيير منظمة نعرف أنها بحاجة لتقديم المزيد من القيمة مقابل المال، وأن تكون أكثر كفاءة وأكثر فعالية، ولديها شراكات أفضل. لا يمكن أن نخاف من التغيير، كمنظمة أو كنظام إنساني”.

وأرسلت كيونغ وا كانغ، مساعدة الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إشارات مماثلة عندما قالت لي أنه، في عالم مثالي، لن تكون هناك حاجة إلى وجود منظمتها.

ولكن إذا سألتهم كيف ستتغير منظماتهم في العالم الحقيقي وما معنى تركيز الاستجابة على المستوى المحلي بالنسبة لهم، فلن تجدهم يحيدون كثيراً عن المسار الحالي.

في إطار تحول مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية تجاه تركيز الاستجابة على المستوى المحلي، أضاف “مسارات عمل” للتواصل مع المجتمعات المحلية – وتم تجريبها في الفلبين بعد وقوع كارثة هايان، ومرة أخرى، بنجاح أكبر، في نيبال – ويريد الآن ادراجها في كل عملياته. كما يدرس كيفية إعطاء نسبة أكبر من الأموال المجمعة مباشرة إلى المنظمات غير الحكومية المحلية.

وقد لجأ برنامج الأغذية العالمي إلى توزيع النقود، بدلاً من الطعام، لإعطاء الأسر مزيداً من الخيارات بشأن ما تشتريه ودعم الاقتصاد المحلي.

ولكن هذه التغييرات لا تُحدث تغييراً جذرياً في ديناميات السلطة ولا البنية الداخلية لهذه المنظمات. ولا ينوي برنامج الأغذية العالمي تقليص قوته العاملة المكونة من 14,000 موظف، على سبيل المثال.

الصورة: كريستيانو لاروفا/برنامج الأغذية العالمي
قافلة من شاحنات برنامج الأغذية العالمي تقوم بإيصال الإمدادات الغذائية أثناء جهود الإغاثة في الصومال

وكما أخبرني محام يقدم المشورة للمؤسسات والشركات في مجال الحكم الرشيد والهيكل التنظيمي، لدى الأمم المتحدة عجز كامن يحول دون الإصلاح.

وقالت كانغ ذلك بنفسها: “كل مؤسسة لديها غريزة الحفاظ على الذات، وبالتالي، كلما كان هناك تحرك ضد ذلك، ستكون هناك مقاومة بالطبع”.

الأمين العام للأمم المتحدة، الذي من المقرر أن يسهم بأفكار “جريئة” في عملية القمة العالمية للعمل الإنساني، كان هو نفسه “نائماً أثناء القيادة”، كما قال أحد موظفي الأمم المتحدة. وحتى لو استيقظ في الوقت المناسب لمحاولة إنجاح مشروع الإرث هذا – على الأرجح أن يكون الأخير بالنسبة له قبل ترك منصبه – فإنه سيحتاج إلى إقناع كانغ وغيرها – الذين سيقومون بتوجيه السفينة في المستقبل – بأن التغييرات الكبيرة تستحق المخاطرة.

وهناك مقاومة أيضاً من جانب المنظمات غير الحكومية الدولية، التي تخشى استبعادها من سلسلة التوريد. وقد تأتي المقاومة أيضاً من الحكومات، التي لم تقتنع بعملية القمة العالمية للعمل الإنساني حتى الآن (ينبغي على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في نهاية المطاف الموافقة على أي تغييرات رئيسية في النظام المتعدد الأطراف). حتى الآن، ظلت الحكومات إلى حد كبير على هامش عملية القمة العالمية للعمل الإنساني، التي – على عكس معظم الأطر الرئيسية للأمم المتحدة – أصبحت عمداً غير خاضعة لقيادة الحكومات.

في العلن، تعرب الحكومات عن دعمها. فقد قال عبد القادر بلوش، وزير شؤون الولايات والمناطق الحدودية الباكستاني للمشاركين في مشاورات الأسبوع الماضي في دوشنبه: “نحن نبحث عن حلول، وأنتم سوف تعطونا الحلول التي نبحث عنها”. ولكن سراً، تساورهم الشكوك. قال لي دبلوماسي أن حكومته تتعمد عدم المشاركة في هذه العملية لضمان أن لا تكون ملزمة بتنفيذ نتائجها.

وتشعر حكومات البلدان النامية على وجه الخصوص بالقلق من التخلي عن السيطرة على المساعدات الإنسانية، الموكلة إليهم في الوقت الحالي بموجب القانون الدولي. ووفقاً لأحد مديري جلسات القمة العالمية للعمل الإنساني، أدلى مسؤول في وزارة من بلد في جنوب آسيا بتلميحات كثيرة في واحدة من الجلسات الفرعية، قائلاً: “ليست لديكم سلطة في أيديكم، فعن ماذا تتحدثون أصلاً؟”

وبحلول اليوم الأخير، كان المشاركون على استعداد للإشارة إلى المشكلة الكبيرة التي يتجنبها الجميع. سأل أحد المشاركين خلال الجلسة العامة: “كيف يمكننا ضمان أن تضم القمة العالمية للعمل الإنساني أصحاب المصلحة المتعددين حقاً حال إصرار الحكومات على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة، وإذا لم تكن على استعداد لتفويض الجهات الفاعلة الأخرى لتولي بعض المسؤوليات؟”

إن تركيز الاستجابة على المستوى المحلي لا يهدد فقط نظام المساعدات الإنسانية، بل يهدد النظام السياسي برمته. وتساءل مشارك آخر: “هل بلدان شمال الكرة الأرضية على استعداد لمنح السيطرة لبلدان الجنوب؟”

ربما يكون الجواب لا، ولكن بالنسبة لمحمود، القمة على الأقل ستجعل مثل هذا النفاق واضحاً ليراه الجميع. وحسب تعبيرها: إذا لم تكن التوصيات التي ستخرج من القمة متبوعة بإجراءات، سوف ينكشف غياب القيادة.

ولكن حتى لو لم تحقق التوصيات أي شيء، سيظل هناك شيء واحد، وهو أن العملية نفسها كانت بمثابة تنفيس عن المشاعر. وقد أجبرت هذه المشاورات الأمم المتحدة على مواجهة الانتقادات – علناً وباستمرار – ولم تهرب المنظمة منها. وقد بدأت المنظمات تبحث في داخلها وتقوم ببعض البحث الذاتي – من بين أمور أخرى – فيما يتعلق بمدى اختلاف العمل الإنساني اليوم.

وبالنسبة لمحمود، إذا استطاعت القمة أن “تجدد هذه الإنسانية التي فقدناها إلى حد ما،” سيكون هذا نوعاً من النجاح. وربما يكون هذا صحيحاً بالنسبة لراغا وسكان جافنا أيضاً.