“التين التلاوي”.. فاكهة الملوك التي تدر ذهباً بنابلس

“التين التلاوي”.. فاكهة الملوك التي تدر ذهباً بنابلس
| بواسطة : نيوز بالعربي | بتاريخ 31 أغسطس, 2015
أخر تحديث : الإثنين 31 أغسطس 2015 - 12:07 مساءً

بالعربي| ما إن يؤدي الحاج أبو بشار حمدان صلاة الفجر حتى تكون زوجته تنتظره، ليمضيا معاً نحو حقلهما لجني محصول التين، الذي تشتهر به بلدتهما “تل “إلى الغرب من مدينة نابلس.

فمنذ القدم، ارتبط اسم “تل” بالتين، ليصبح مصدر دخل لمئات العائلات التي تنتظر هذا الموسم على أحر من الجمر.

رغم أنني تجاوزت السبعين، إلا أن ذكرياتي مع التين ما زالت راسخة في مخيلتي،، منذ أن بدأت أذهب مع جدي ووالدي إلى الحقل قبل أكثر من ستين عاما.. حتى اليوم، وأنا أشعر بعلاقة حميمية مع هذه الشجرة التي لا تبخل على صاحبها بالعطاء”.

ويتابع “رغم أن أراضي بلدتنا غنية بالزراعات المختلفة وتحديداً الزيتون والعنب والصبر، لكنها مشهورة بالتين، نظرا لأن تلك المحاصيل تزرع في مناطق وقرى وبلدات أخرى، لكننا نتفوق على غيرنا بالتين بأنواعه المختلفة.

ويسرد ذكرياته قائلا “قبل أن نذهب إلى المدرسة كنا نعاون في قطافه، فنظراً للحر الشديد لا يمكن أن يقطف التين إلا في ساعات الصباح الباكر، وكنا نأخذ منه إلى المدرسة كوجبة طعام رئيسة.. وفي ساعات العصر وقبيل الغروب كنا أيضا نعاون أجدادنا وآباءنا بعملية “دهن الزيت”، بغمس قطنه أو قماشة بزيت الزيتون أو زيت القلي ثم ندهن رأس الثمرة الفجّة “غير مكتملة النمو” حبةً حبة. وبعد أسبوع من موعد دهن الثمار، يحين موعد قطافها لغايات الأكل والبيع والتخزين والتجفيف”..

أصناف كثيرة

وحسب وزارة الزراعة فهناك ما يقرب من 1600 دونم في محافظة نابلس تنتج التين بأنواعه المختلفة، منها 500 دونم في بلدة “تل” وحدها، لذا يعد التين مصدر رزق أساس لعشرات العائلات هناك.

ويقدر المتابعون أن الدونم الواحد ينتج نحو طن ويزيد من التين، نظرا لجودة التربة والاهتمام به من المزارعين.

وتمتاز القرية بإنتاج أكثر من 18 صنفا من أصناف التين، من أشهرها “العناقي”، ويمتاز بعنقه الطويل، وحلاوته العالية، ويزرع بكثرة في قرية “تل”، وهناك العسالي: وهو شجر يتضخم كثيراً وثمره كبير في الغالب، أشهب اللون من الداخل بعد نضجه، وسمي بالعسالي من العسل، يمتاز بعلو حلاوة ثماره، وبظهور نقطة من السائل الحلو على رأس الثمرة الناضجة.

أما الخضاري: يكبر أكثر من صنف العسالي، ويتضخم، خاصة إذا كان في أرض ذات ماء يستقي منها. وثمره منبسط الرأس، متوسط الحلاوة، لونه أخضر، ولذلك يقطف ثمره في الصباح الباكر.

والبياضي: ثماره أصغر من الخضاري والعسالي، حلوة المذاق، حبته كروية تميل إلى الخشونة قليلاً قبل النضج، وسمي كذلك لبياض ثماره (أخضر يميل إلى البياض أكثر من باقي الأصناف).

أما الخرطماني: ثماره مستطيلة، شديدة الحلاوة، قليلة اللبن، يميل داخلها إلى اللون الشفاف، لذيذ النكهة..

وتطول القائمة في أصناف أخرى تحمل صفات ثانية يتميز فيها كل نوع عن غيره من الثمار، كالموازي، والسوادي، والمليصي والقيسي وغيرها من الأنواع الأخرى.

وبعد الانتهاء من قطفه، يتم تجميع المحصول في ساحة وسط البلدة، ويتبارى التجار في الظفر بالسعر المناسب، قبل إرساله إلى الأسواق وبيعه للمواطنين.

يومياتي مع التين

وكتبت الطالبة في قسم الصحافة بجامعة النجاح “شذى رمضان” وهي من سكان بلدة “تل”، عن تجربتها قائلة “منذ صغري، ومنذ أن ترعرعت في قريتي “تل” جنوب غرب نابلس، وأنا أرى أبي في أواخر شهر تموز من كل عام يبدأ بعمل “مدهان التين”، وهو بمثابة إرث للقرية. ومدهان التين كما تم توضيحها إلى حين موعد قطافها لغايات الأكل والبيع والتخزين والتجفيف، وغيرها من أعمال التجارة.

وتتابع “لا زلت أذكر قبل سنوات ليست ببعيدة، عندما كان أفراد عائلتي المكونة من اثنتي عشر فرداً، يصحون صغيراً وكبيراً في حدود الرابعة والنصف فجراً، لقطف ثمار التين من أجل كسب لقمة عيشنا قبل أن يذهب كلٌ منا إلى مدرسته وجامعته أو إلى عمله. وكان أبي يعمل مدرساً، لكنه كان يعتبر التين مصدر رزق أساس لنا في موسمه. وكان يحثّنا على إنجاز العمل باكراً، حتى لا يتأخر كلٌّ منا عن دوامه المعتاد”.

وتختم “عندما يعود أبي إلى البيت من عمله، وعند عودتي أنا وإخوتي من مدارسنا وجامعاتنا، كنا نتناول وجبة الغداء ونستريح قليلاً. وبعد صلاة العصر نعود من جديد إلى ذات الحقل، حيث يأخذُ كلٌ منا مدهانه الخاص، ونبدأ بدهن “عجرات” التين مرة أخرى حتى يحين موعد قطافها، لتصبح جاهزة للاستهلاك”.

مخاوف من الاندثار

ورغم أن “تل”، وغيرها من البلدات والقرى الفلسطينية تنتج هذه الثمرة، إلا أن المنتوج شهد تراجعا ملموسا خلال السنوات الأخيرة، نظرا للأحوال الجوية المتقلبة، فضلا عن إصابة الشجرة بأمراض عدة.

المسؤولية تقع على وزارة الزراعة في دعم المزارعين وتوفير المبيدات اللازمة لعملية رش أشجار التين تجنبا للأمراض التي تصيبها، ولا يتوفر العلاجات اللازمة لها.

هذا الأمر، ينذر -حسب المتابعين- باندثار الشجرة بشكل أو بآخر، ما يعني خسارة اقتصادية كبيرة، ليس فقط لأهالي “تل”، بل للثروة الحيوانية برمتها.

كما أن التراجع يعود لضعف التسويق وعدم القدرة على بيع المنتج في السوق الفلسطينية واقتصاره فقط على تسويقه في مدينة نابلس القريبة، ما جعل من المنفعة التجارية للتين ضعيفة.

ونتيجة لمحاصرة الاحتلال أراضي القرية، فقد شهدت حالة من التوسع في البناء على حساب الأرض المزروعة بالتين، مما أدى إلى تناقص عدد أشجارها، إضافة إلى عزوف أبناء الجيل الجديد عن العمل بالزراعة بشكل عام وتوجههم للعمل في الوظائف الحكومية والتي أدت إلى هجران الأراضي وشجرة التين.

ويعاني القطاع الزراعي في فلسطين من ضعف التمويل الحكومي والتي زادت من  تدني المساهمة في الإنتاج القومي الفلسطيني إلى 5%، ولا يعتدى الإنفاق الحكومي على القطاع الزراعي 1% فقط.