اخبار البانيا اليوم : فشل الاتحاد الاوروبي في مقدونيا يفتح شهية بوتين لنفوذ في البلقان

اخبار البانيا اليوم : فشل الاتحاد الاوروبي في مقدونيا يفتح شهية بوتين لنفوذ في البلقان
| بواسطة : اون لاين | بتاريخ 7 يونيو, 2015
أخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 2:13 صباحًا
المصدر - وكالات

بالعربي | الاحداث التي شهدتها مقدونيا مع نشوب المواجهة المسلحة مع مقاتلين سابقين من ميليشيات البانية منحلة لا يمكن فصلها أو عزلها عن الأزمة السياسية التي تعصف في البلاد منذ أسابيع والتي أثارت كما هائلاً من التحليلات السياسية المتباينة خارج حدود الدولة اليوغسلافية السابقة مع مخاوف اعترت ليس دول المنطقة فحسب، بل ايضاً واشنطن وبروكسيل اللتين سارعتا الى ارسال مبعوثين سريين في محاولة لمنع انفجار قد يحرق المنطقة كلها التي تتآكلها الصراعات السياسية والاثنية، والتدخلات الخارجية على رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على توقيع اتفاق «دايتون» الذي ارساه المبعوث الأميركي الراحل ريتشارد هولبروك.

في مقدونيا يجتمع نقيضان، فهي برأي المحلل في مركز «كارنيغي اوروبا» شتيفان ليني تمثل «أكبر نجاح وأكبر فشل لسياسة توسيع الاتحاد الاوروبي»، فالاتحاد منع البلاد في العام 2001 من الانزلاق في حرب عرقية ودينية مدمرة من جهة، ولكنه من جهة اخرى وبعد 14 عاماً أصبح شريكاً في انحدارها الى حضيض مهزلة سياسية مثيرة للاشمئزاز، حيث تتواجه السلطة ومعارضيها في ماراثون من الاحتجاجات والتظاهرات المتبادلة لقياس احجام القوة والتأثير والتحريض الشعبوي للشارع الساخط من تردي أوضاعه المعيشية وغرق البلاد في بحور من الفساد والجريمة المنظمة التي تديرها جماعات الاوليغارشية التي تغذي الاحزاب السياسية بالأموال وتستخدمها لتنفيذ مخططاتها ذات الابعاد متعددة الاتجاهات.

ديناميات الانفصال والتأسيس

من المنطقي الاستنتاج بأن دينامية الاحداث وتطوراتها وتفاعلاتها في فضاء الفيديرالية اليوغسلافية السابقة تدفع باتجاه تبلور حالات مماثلة لتلك التي شهدتها منطقة كومانوفو القريبة من الحدود مع صربيا وكوسوفو حيث نشبت معارك شرسة بين مقاتلين سابقين من منظمات البانية مسلحة والقوات المقدونية الخاصة في الاحياء السكنية في المدينة التي تقطنها غالبية اثنية البانية. والسؤال الأكثر الحاحاً الذي يتردد الآن في الاوساط الاجتماعية والسياسية لا في مقدونيا وحدها، بل في كل بلدان المنطقة هو ليس ما اذا كانت مثل هذه المواجهات المسلحة ستتكرر، وانما متى سيحدث ذلك بالضبط؟

تدعم مجموعة من الوقائع والتطورات احتمالات انفجار صدامات مماثلة وتتجسد على خلفية مراحل متعددة مرت بها العمليات الانتقالية من النظام الشمولي الى الديموقراطي، وأولها: العمليات السياسية في مرحلة ما بعد انهيار الفيديرالية اليوغسلافية، وبالتحديد مسألة اعادة بناء وصياغة كيانات منفصلة، وفي بعض الحالات تأسيس دول جديدة، فلقد وجدت دول الفيديرالية المتداعية عملياً نفسها بمواجهة اهداف متداخلة بعضها مع البعض الآخر. فمن جهة جاءت عملية الانفصال بعد عقود طويلة من التواجد في فضاء سياسي واقتصادي موحد، ومن جهة اخرى ضرورة التصدي لاشكاليات الاندماج والتوحد ومن ثم الشروع بتأسيس هياكل اجتماعية ومؤسساتية وحقوقية حديثة في الدول الجديدة القائمة.

دولتان جرت فيهما هذه العملية في شكل طبيعي وسلس لانهما تميزتا بنظام سياسي يقوم على أسس هيمنة اثنية ودينية صارمة وهما (كرواتيا وسلوفينيا)، على خلاف البوسنة والهرسك التي كان ينبغي ان تقوم نخبهما السياسية بنصب أعمدة دولة وأمة جديدتين، وكذلك مقدونيا التي برزت كدولة جديدة لا يزال الاسم الذي اختارته مصدر نزاع معقد مع اليونان يعيق اندماجها في الهياكل الاوروبية والاطلسية، ناهيك عن ان عمليات تشكيل هذه البلدان الجديدة أفرزت اوضاعاً داخلية معقدة للغاية على خلفية التنوع الاثني والديني في المجتمع، وتسببه في انزلاقهما في حروب اهلية مدمرة لا تزال تفاعلاتها السياسية والاجتماعية والنفسية حية وفاعلة لدرجة انهما اضحتا من اكثر بلدان المنطقة هشاشة ونزوعاً نحو استئناف المواجهة المسلحة، وهو ما تجلى في أحداث كومانوفو على رغم تفضيل العديد من المحللين نظرية المؤامرة لتفسيرها.

عمليات انتقال فاشلة

بعد مضي اكثر من 25 عاماً على انهيار الفيديرالية اليوغوسلافية وما رافق هذه العملية من حرب اهلية بدأت اولاً في البوسنة ومن ثم كرواتيا وبعدهما كوسوفو التي أعلنت استقلالها من طرف واحد عن صربيا، لم تنجح لا البوسنة ولا مقدونيا في إنجاز مرحلة الانتقال وتحويل الكيان الجديد الى دولة وطنية تقوم على مبدأ التعدد الثقافي والتسامح الديني والاثني.

وفي ما يتعلق بمقدونيا التي هي موضع البحث والتحليل فإن العامل الالباني يعد الاساسي والمحدد للتوازنات الداخلية، وهو يتميز بحيويته وبغلبة العنصر الشاب في صفوفه وبنزعته التي تميل الى الهجومية والانسياق وراء الغرائز الانفصالية، ويعتبره المراقبون الخطر الأكبر والأكثر تهديداً لأمن المنطقة واستقرارها. هذا العامل بالتحديد شكل والى حد كبير المحرك الأقوى والأكبر فاعلية في التطورات التي عصفت بيوغوسلافيا السابقة خلال السنوات الخمس عشرة المنصرمة بعد الحرب في البوسنة. وتجسدت نتائج حركته الناجمة عن المشاكل التي انبثقت في بريشتينا وليس في تيرانا، فبعد اعلان انفصال اقليم كوسوفو واستقلاله وجد قادته السياسيون انفسهم امام مسؤوليات جسيمة لم يعهدوها من قبل واصطدموا بمشكلات ونزاعات ليس من السهل حلها وتسويتها وفي مقدمها تأمين الاستقرار والامن، والتنمية الوطنية لدولة وليدة تخلو من المفاصل الاقتصادية والمالية والثروات الطبيعية مع بطالة نسبتها 60 في المئة.

هذه التحديات الجدية التي استقبلت القادة الجدد الذين خرجوا من صفوف جبهة تحرير كوسوفو المسلحة المنحلة والمتهم غالبيتهم بارتكاب جرائم حرب والتورط في الاتجار بالمخدرات والاعضاء البشرية دفعتهم الى استلهام نبض جديد وهدف مثالي اكثر جذباً للعامة هو توحيد الاثنيين الالبانيين من بلدان الفيدبرالية المنهارة في ما يسمى كوسوفو العظمى.

استخبارات ومؤامرات

يرفض زعيم حزب «الاتحاد الديموقراطي للاندماج في تصريح نقلته اسبوعية (كابيتال) الصــــادرة في صوفيا وهو الشريك الالباني في التحالف الحكومي القائم علي احمديط المعلومات التي تدعي ان الصدام المسلـــح الذي شهدته كومانوفو دبره رئيس الحكومة غرويفسكي وحزبه (الحزب الديموقراطي للوحدة القومية المقدونية) الموالي للغرب، واستخدم فيه المجموعة الالبانية المسلحة التي نفذت بتوجيه من الاستخبارات العامة الهجوم على قوات الامن والمدنيين لكي يحرف الانظار عن حركة الاحتجاجات الشعبية ضد السلطة».

وتشتعل العاصمة سكوبيا منذ اسابيع بحركة احتجاجات منتظمة ضد الفساد المستشري في الدولة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان، والارتفاع المتزايد في معدلات البطالة»، وتأجج السخط الشعبي مع قيام المعارضة ببث تسجيلات في وسائل الاتصال الاجتماعي عن حوارات بين رئيس الحكومة ووزير داخليته تتضمن تعليمات من الأول بالتغطية على جريمة قتل صحافي معارض للسلطة، والتنصت على عشرين الف مواطن من السياسيين والصحافيين والمثقفين». ويشدد احمدي على ان ما حصل في كومانوفو لا يخدم مصالح الاثنيين الالبان في مقدونيا، وفي الدول المجاورة يزعزع امن المنطقة ككل» ويضيف في حديث لـ «الحياة»، «ان ما تحتاج اليه البلقان هو السلام والاستقرار والتنمية والاندماج التام في الاتحاد الاوروبي والحلف الاطلسي».

اخفق المجتمع المقدوني ونخبه السياسية في ايجاد الحلول والتسويات الموضوعية للانقسام والصدام العرقي، وتخفيف الازمة الاقتصادية، ومعالجة تدهور المستوى المعيشي لفئات اجتماعية واسعة، وهذه كلها انتجت مزيداً من التراجعات عن مبادئ وقواعد وآليات الديموقراطية الاساسية وساهمت في تفشي الفساد، وتبلور فجوة عميقة بين الحكام والمحكومين، من أبرز نتائجها ليس فقط مشاكل بين المكونات الاجتماعية المتعددة ذات الطابع الاثني والديني، وانما ايضاً صدامات سياسية – اجتماعية وايديولوجية حادة.

تقاعس وضمور أوروبي

العامل الآخر وربما المحوري الذي حفز تبلور وتشكل كل هذه الظواهر المعطلة للتنمية والحداثة والاستقرار بتجلياته يتمثل في غياب الاتحاد الاوروبي وانعدام دوره كعنصر ضاغط ومنظم لوتيرة العمليات السياسية، وما يرافقها من تعارضات وتوترات تصل في بعض حالاتها الى القطيعة بين القوى السياسية. ويرصد مراقبون ان بروكسيل تركت دول البلقان وحدها امام خيارين: اما الاندماج الاوروبي او الانعزالية القومية، وتحتم على انظمتها السياسية وحكوماتها ان تتصدى منفردة لمشكلاتها العميقة بدلاً من ان تمد يد العون لها وتشحنها بعناصر القوة المعنوية والمادية والسياسية والاقتصادية لكي تجتذب الى العمليات السياسية والتنموية جميع مكونات المجتمع التي لا يمكن ان تتوحد الا في إطار هيئات الاتحاد الاوروبي وهياكله، ومنظومة قيم التعددية السياسية والتنوع الثقافي والديني.

ساهم حرمان الاتحاد الاوروبي لدول منطقة غرب البلقان من العمليات الاندماجية الى حد كبير في تثبيط عزم مجتمعاتها، واغتال دفق الاصلاحات والانسجام الاجتماعي. من هنا فإن أحداث كومانوفو هي وليدة عوامل واحدة تتقاطع في انعدام الاستقرار وتفاقم حدة الصراع الداخلي في المجتمع. ويرى رئيس مركز الدراسات الدولية والبلقانية واستاذ العلوم السياسية في جامعة صوفيا اوغنيان منجيف في حديث لـ «الحياة» ان النموذج الاوروبي للديموقراطية الذي ساد في اوروبا الشرقية ومنطقة البلقان في غضون العقدين الاخيرين بعد العام 1989 ما زال يصطدم بتحديات جدية مبعثها النزعات الفردية في الحكم والشعبوية الصارخة والفجة لدى النخب السياسية الجديدة».

واجهة ديمقراطية … محتوى شمولي

يستنسخ غرويفسكي في ولاياته الاربع في السلطة حتى الآن نموذج بوتين في الحكم، وهو ما يعرف بمصطلح «الديموقراطية الموجهة» التي هي في واقع الامر واجهة تخفي خلفها الهزال السياسي، والعجز التام عن ادارة الدولة بالشكل الذي يخدم مصالح المجتمع، وسيادة الاوليغارشية التي تمارس عمليات نهب منظم لمصادر الثروة الوطنية والمال العام في تحالف «مقدس» مع لوبيات الاحزاب والنخب السياسية. وفي هذا السياق ربما تكون المعلومات التي تلقفتها السوق السياسية بشغف وانتباه هي اكثر ما أثار من تعليقات وتحليلات داخل مقدونيا، وفي جوارها البلقاني والاوروبي، وتتحدث عن مخطط روسي لإثارة البلقان لاشغال الاتحاد الاوروبي ببؤر توتر جديدة تضاف الى القائمة في اوكرانيا واليونان لتمتد بعد ذلك من مقدونيا الى صربيا ومن ثم الى كوسوفو والبوسنة. ووفقاً للمحلل في معهد الدراسات الاقليمية والدولية المقدوني الدكتور غوران ستويكوفسكي لـ «الحياة» فأن «تصريح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف حول احداث مقدونيا يعكس رغبة بوتين في عودة روسيا الى البلقان من خلال زعزعة امنها واستقرارها وفتح جبهة نزاعات مسلحة جديدة»، مشيراً الى ان «اثارة النزاع العرقي في مقدونيا يمثل نقطة التقاطع لهذه النزاعات التي ستندلع تدريجياً في الدول البلقانية المجاورة».

وكان لافروف قال في 20 أيار (مايو) الماضي «من الواضح ان الاحداث الجارية في مقدونيا تقف وراء إثارتها وإدارتها قوى خارجية»، واضاف: «ان البانيا وبلغاريا تريدان تقاسم مقدونيا»، وأعلن دعم بلاده للحكومة المحافظة في سكوبيا.