اتفاقية تجارة الخدمات: إمعان في استباحة الدول

اتفاقية تجارة الخدمات: إمعان في استباحة الدول
| بواسطة : اية الخطيب | بتاريخ 8 يونيو, 2015
أخر تحديث : الإثنين 8 يونيو 2015 - 12:03 صباحًا
المصدر - وكالات

بالعربي |  تتآمر حكومات الغرب «المنتخبة ديمقراطياً» على صلاحياتها هي، أي على التفويض الممنوح لها من ناخبيها المفترضين، لتتخلى عن جزء مهم منها بموجب «معاهدة دولية» لمصلحة الشركات العابرة للحدود الوطنية، لتستبيح الأخيرة المجتمعات والبيئة دونما ضوابط

فراس أبو مصلح

نشر موقع «ويكيليكس» مطلع حزيران الجاري 17 من الوثائق السرية من مشروع «اتفاقية تجارة الخدمات» TISA التي تناقشها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و23 دولة أخرى، بينها تركيا والمكسيك وكندا وأستراليا وباكستان وتايوان و«إسرائيل»، مستثنية دول الـ«بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). وتشكل حصة الدول المعنية بالاتفاقية من الناتج العالمي الإجمالي نحو الثلثين، بحسب الموقع الذي تزامن نشره للوثائق مع انعقاد المؤتمر الوزاري لدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس (من 3 إلى 5 حزيران)، وموضوعه الاتفاقية نفسها.

تشير روزا بافانيللي، الأمينة العامة لمنظمة Public Services International التي تضم أكثر من 500 اتحاد نقابي من القطاع العام من 140 دولة، إلى «المفارقة المتمثلة في الإشارة المتكررة للشفافية (في نص الاتفاقية)، وفي الملحق الكامل الذي يُلزم الحكومات بتقديم المعلومات إلى شركات القطاع الخاص، فيما يجري التفاوض حول الاتفاقية بالسر، ما يكشف هوية الأطراف صاحبة المصلحة الحقيقية فيها»، في إشارة إلى الشركات. وتضيف بافانيللي أن «من الشائن ألا تطلعنا حكوماتنا المنتخبة ديمقراطياً على القوانين» التي تعمل على فرضها.
وكانت «ويكيليكس» قد فضحت في وثيقة نشرتها في حزيران 2014.

تشكل جزءاً من الاتفاقية نفسها وتتناول الخدمات المالية، توجه الدول المعنية للتمادي في رفع الضوابط عن القطاع المالي، بالرغم من أن ضعف الرقابة والضوابط على هذا القطاع كان السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. ومن بين الوثائق المنشورة منذ أيام، التي تتناول مسائل كانتقال الأفراد والتجارة الإلكترونية والنقل البحري والجوي و«الشفافية».

يبرز من حيث الأهمية ملحق الاتفاقية حول «التنظيم المحلي»، الذي يؤكد تصميم الدول المعنية على الإيغال في رفع الضوابط عن أنشطة الشركات الخاصة، وتقييد صلاحيات الحكومات وتقليص هامش السياسات التي يمكن أن تنتهجها راهناً ومستقبلاً.

وذلك على حساب المصالح الوطنية أو المصلحة العامة للمجتمعات. والخطير في الأمر هو أن تكريس السياسات المحلية تلك في معاهدة دولية (وهي بحد ذاتها مفارقة) يجعل من الصعب على حكومات مقبلة الرجوع عنها، وإن كانت الرغبة بذلك نابعة من إرادة الناخبين، أو حتى من ضرورة الاستجابة لمتغيرات قد تطرأ.

من شأن تأثير ملحق الاتفاقية المذكور أن يكون واسع النطاق للغاية، إذ يطاول جميع «الإجراءات التي تؤثر على تجارة الخدمات»؛ ويُقصد بكلمة «إجراءات» كل «القوانين والمراسيم والأنظمة والقرارات الإدارية، أو أي شكل آخر» من الأفعال الحكومية التي «لها صلة» بتجارة الخدمات بشكل ما، بحسب الملحق الذي تنطبق أحكامه على جميع «الإجراءات» تلك في حقول إدارية ثلاثة واسعة: أولاً، إجراءات ومتطلبات نيل الرخص لممارسة مختلف الأنشطة المؤسسية، كالأنشطة الاستخراجية والإعلام وخدمات توصيل المياه للمنازل والاستشفاء والتعليم والنقل وحتى الترفيه. ثانياً، إجراءات ومتطلبات التأهل لممارسة مختلف المهن التخصصية، كالطب والهندسة والملاحة والتعليم والصحافة وغيرها.

ثالثاً، المعايير التقنية للخدمات وكيفية تقديمها، كنوعية المياه والتصنيف المناطقي ومعايير الصحة والسلامة والمعايير الهندسية وقوانين الإعلان وشروط بيع الكحول والتبغ، وصولاً إلى الامتحانات المدرسية.
ويُلزم ملحق الاتفاقية الدول الموقعة بقواعد ثلاثة، أخطرها وأوضحها دلالة هي القاعدة الثالثة، التي تعتبر أن ضمان «نوعية» الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص هو الهدف المشروع الوحيد للسياسات العامة التنظيمية، دونما أي اعتبار وطني أو اجتماعي أو بيئي. وتنص القاعدة الأولى على أن تتأكد الحكومات من أن «إجراءاتها» المعتمدة، أي ضوابطها القانونية والإدارية والمجتمعية كافة.

«لا تشكل عبئاً أكبر مما هو ضروري لضمان نوعية الخدمة». وفي شرح معنى معيار «الأقل عبئاً»، يقول الملحق إن على دراسة القرارات الحكومية أن تبدأ بالتفكير برفع الضوابط التنظيمية كلياً، ثم تدرس إمكانية الاكتفاء «بالتنظيم الذاتي»، أي أن تنظم شركات القطاع الخاص أنشطتها بنفسها(!)، ومن ثم تدرس إمكانية «التشارك في التنظيم»، بالاعتماد على آليات القطاع الخاص، كالإفصاح (الذاتي والطوعي) والمراقبة الخارجية.

قبل أن تلجأ الحكومة إلى تنظيم أنشطة القطاع الخاص «كخيار أخير». والقاعدة الثانية لعمل الحكومات هي التزام معيار «الضرورة» عند اعتمادها لخيار من الخيارات السابقة الذكر، أي ما معناه اعتماد الخيار الذي يحقق الهدف التنظيمي بأقل قدر ممكن من التدخل، وعند الضرورة القصوى فقط. وينبغي لفت الانتباه هنا إلى أن التفسيرات المتغيرة لمعيار «الضرورة» في اللجان التحكيمية لدى منظمة التجارة العالمية «أنتجت اختباراً معقداً ومتعدد الأوجه، فشلت فيه الحكومات في الغالبية العظمى من الحالات حيث حاولت المحاججة» ضد طروحات الشركات الخاصة، بحسب «ويكيليكس».
وفي الملحق أن على جميع «الإجراءات» الحكومية التي «تؤثر» في تجارة الخدمات أن «تُطبَّق بشكل معقول وموضوعي وحيادي». ولا يخفى على أحد أن معيار «المعقولية» هذا ذاتي بامتياز، ويفتح الباب على مصراعيه لمختلف التأويلات. والخطير في فرض هذا المعيار هو ارتباطه بالآلية التي يلحظها الملحق لبتّ الخلافات بين الدولة أو المواطنين، «مستهلكي» الخدمات، وبين الشركات الخاصة (وبالذات تلك العابرة للحدود الوطنية، التي تتمتع بإمكانات تفوق تلك للكثير من الدول). يحيّد الملحق السلطات القضائية للدول عبر اعتماده آلية التحكيم لحل «النزاعات».

وعلى حد تعبير موقع «ويكيليكس»، فإن «الشروط والموجبات الذاتية والمطاطة التي يفرضها الملحق، ستفسّرها هيئات تحكيم مؤلفة من «خبراء» تجاريين منتدَبين لخدمة الأهداف التجارية والأيديولوجية للاتفاقية، وليس لحماية مصالح الأمم والشعوب… ستقرر هذه الهيئات ما إذا كانت الأنظمة التي تضعها الدول لحماية بيئتها وثقافتها، أو لضمان وصول جميع المواطنين للخدمات بشكل متكافئ، هي «أعباء غير ضرورية» أو لا، وستقرر هذه الهيئات أيضاً ما إذا كانت الآليات المصممة لإيصال صوت المجتمعات المحلية، ولضمان لحظ الاعتبارات غير التجارية في آلية اتخاذ القرار، هي «معقولة أو موضوعية أو حيادية» أو غير ذلك… بكلام آخر، إن هيئات تحكيم خاصة وغير خاضعة للمساءلة ستقرر كيفية تنظيم الدول لأنشطة أساسية لرفاه مجتمعاتها».
«تجري المفاوضات حول اتفاقية تجارة الخدمات TISA وفقاً لأجندة الشركات الساعية إلى فرض الليبرالية المتطرفة على الدول ورفع الضوابط عن أنشطتها، وذلك لزيادة أرباحها على حساب العمال والفلاحين والمستهلكين والبيئة»، وفقاً لشبكة «عالمنا ليس للبيع». وترى الشبكة أن هدف ملحق الاتفاقية الخاص بـ«التنظيم المحلي» تحديداً هو «إزالة السياسات والقوانين والضوابط المحلية التي تصعّب على الشركات العابرة للحدود الوطنية بيع خدماتها حول العالم، والهيمنة على مورّديها المحليين، وتعظيم أرباحها، وسحب استثماراتها وخدماتها وأرباحها حينما تريد».

وتحقيق الشركات لهدفها هذا يتطلب «تقييد حق الحكومات بتنظيم أنشطة الشركات لمصلحة الصالح العام»، وذلك «باستخدام الاتفاقية لتجاوز سلطة المسؤولين المنتخبين، وفرض قواعد عامة (عبر معاهدة دولية) لا يمكن أن تقرها منفردة حكومات ديمقراطية»، بحسب الشبكة التي تؤكد أن من شأن تطبيق الاتفاقية أن يؤثر حتى على الدول غير الموقعة عليها، وذلك لكونها «لائحة بأماني شركات العالم المتقدم التي تسعى إلى تجاوز مقاومة الجنوب (الدول النامية) لأجندتها داخل منظمة التجارة العالمية، بفرض اتفاقية حول الخدمات من دون مواجهة مسألة اللامساواة في شروط التجارة بالمواد الزراعية، والملكية الفكرية، ودعم الإنتاج الزراعي، وغيرها من المسائل».